أزمة التكنولوجيا الحالية ليست في المعالجات أو الشاشات، بل في “تخزين الطاقة”. بطاريات الليثيوم أيون تقترب من حدودها الفيزيائية القصوى، وعمرها الافتراضي قصير، ناهيك عن الأثر البيئي لتعدين الليثيوم. لذلك، ظهرت أبحاث جادة تتحدث عن تشغيل الأجهزة بالاعتماد على الطاقة المحيطة في الهواء.
تطبيقاً لمنهجية التي ترفض التضليل التسويقي، سنفصل اليوم بين الخيال والواقع. سنشرح آلية عمل هذه التقنية، القيود الفيزيائية التي تمنعها من تشغيل الهواتف الذكية، والتطبيقات الواقعية التي سنشهدها قريباً.
كيف نسحب الكهرباء من الهواء؟
هذه التكنولوجيا تعتمد على مفهوم علمي يُعرف بـ “حصاد الطاقة المحيطة” . الفكرة تتلخص في استغلال الطاقة المهدرة حولنا، حيث يصمم المهندسون مستقبلات ومستشعرات لتحويل هذه الطاقة إلى تيار كهربائي خفيف. من أين تأتي هذه الطاقة؟
- طاقة الترددات الراديوية : الهواء محمل بالإشارات (واي فاي، شبكات 4G و 5G، بث تلفزيوني). هذه الإشارات عبارة عن موجات كهرومغناطيسية. الأجهزة الحديثة تحتوي على هوائيات دقيقة تلتقط هذه الموجات وتحولها لتيار مستمر قادر على تشغيل دوائر إلكترونية بسيطة.
- الطاقة الكهروإجهادية: مواد تولد شحنة كهربائية عند تعرضها للضغط أو الاهتزاز. ضغطة إصبعك على زر، أو اهتزاز الماكينات الصناعية، يولد شحنة لحظية تكفي لإرسال إشارة.
- الطاقة الكهروحرارية : تقنية تولد الكهرباء اعتماداً على “فرق درجات الحرارة”. تلامس الجهاز مع حرارة الجسم من جهة، وهواء الغرفة البارد من جهة أخرى، يولد تياراً كهربائياً بسيطاً.
أين سنستخدم هذه التكنولوجيا حقاً؟
بما أن الطاقة المجمعة ضعيفة جداً، فإن هذه التكنولوجيا تستهدف “الأجهزة فائقة توفير الطاقة” . في هذه المجالات، ستحقق التقنية تقدماً ملموساً وواقعياً:
1.الأجهزة الخالية من البطاريات
تخيل مصنعاً يحتوي على آلاف المستشعرات لقياس الحرارة والضغط. لو اعتمد كل مستشعر على بطارية تقليدية، سيحتاج المصنع لجهد هائل لصيانتها واستبدالها. هنا تبرز أهمية الأجهزة الخالية من البطاريات. المستشعر يستمد طاقته من اهتزاز الماكينة أو إضاءة المصنع، يرسل قراءة سريعة ثم يعود لوضع السكون. هذه التقنية هي أساس تشغيل المدن الذكية بكفاءة وتقليل النفايات الإلكترونية.
2. الملصقات الذكية وأجهزة التتبع
كبديل متطور للباركود، تُستخدم ملصقات ذكية على البضائع. هذا الملصق لا يحتوي على بطارية؛ فعندما يوجه إليه جهاز القراءة إشارة راديو، يمتص الملصق طاقة الإشارة، يعمل للحظة ليرسل بياناته، ثم يتوقف. هذه التقنية مستخدمة حالياً وتتطور بشكل متسارع.
3. الأجهزة الطبية المزروعة
منظم ضربات القلب يتطلب تدخلاً جراحياً لتغيير بطاريته كل عقد من الزمن. الأبحاث الحالية تركز على تطوير أجهزة طبية تستمد طاقتها من نبض القلب نفسه أو من حرارة الجسم، مما يعني نظرياً استغناء المريض عن العمليات الجراحية المخصصة لتبديل البطارية.
4. أجهزة التحكم عن بعد
بدأت بعض الشركات في إنتاج أجهزة تحكم للتلفاز تعمل بالطاقة الشمسية المستمدة من إضاءة الغرفة، وتسحب طاقة إضافية من إشارات الواي فاي المنزلية. نظراً لأن الريموت لا يتطلب طاقة عالية، نجح هذا التطبيق التجاري في الاستغناء عن البطاريات التقليدية (AAA).
البديل العملي
نظراً لأن مصادر حصاد الطاقة قد تكون متقطعة (انقطاع الواي فاي أو الإضاءة)، تحتاج هذه الأجهزة إلى “مخزن مؤقت” للطاقة. هنا يبرز دور عنصر تقني أساسي يُعرف بـ “المكثف الفائق”.
هذه المكثفات ليست بطاريات كيميائية، بل مكونات إلكترونية تخزن شحنة ساكنة. الميزة الأهم لها هي قدرتها على الشحن في ثوانٍ معدودة، وإمكانية شحنها وتفريغها “ملايين المرات” دون أن تتلف (على عكس بطاريات الليثيوم). يخزن المكثف الفائق الشحنات البسيطة المحصودة من الهواء، وعندما يحتاج الجهاز للعمل، يمنحه المكثف دفعة الطاقة اللازمة. ومع ذلك، لا تستطيع المكثفات تخزين كميات كبيرة من الطاقة لفترات طويلة كالبطاريات، مما يؤكد أنها ليست الحل لتشغيل الهواتف أو الحواسيب المحمولة في الوقت الحالي.
الأسئلة الشائعة
من الناحية الموضوعية، ليس في المستقبل القريب. استهلاك الهواتف الذكية للطاقة (بسبب الشاشات عالية الدقة والمعالجات القوية وشبكات 5G) يتجاوز بكثير أي طاقة يمكن حصادها من البيئة المحيطة. الحلول القادمة للهواتف ستتركز على البطاريات السريعة الشحن، وليس الاستغناء التام عن البطارية.
لا، على الإطلاق. الأجهزة التي تحصد الطاقة لا تستهلك حزمة البيانات ، بل تمتص جزءاً من الموجات الكهرومغناطيسية المهدرة بالفعل في البيئة والتي يبثها الراوتر في جميع الاتجاهات. هذا الامتصاص ضئيل جداً ولا يؤثر على جودة أو سرعة الاتصال لباقي الأجهزة.
إنتاج مليارات الأجهزة الصغيرة (كالمستشعرات) يعني إنتاج مليارات البطاريات التي يحتوي الكثير منها على مواد كيميائية سامة. تحويل هذه الأجهزة للعمل دون بطاريات يقلل بشكل ملحوظ من النفايات الإلكترونية ويخفف العبء البيئي الناتج عن التخلص من البطاريات المستهلكة.
رأي الكاتب
التكنولوجيا التي تتيح تشغيل الأجهزة دون بطاريات هي تقنية حقيقية ومتقدمة، لكنها لم تُصمم لإعفائنا من شحن هواتفنا اليومية. لقد صُممت لتشغيل شبكة واسعة من المستشعرات والأجهزة الطبية والصناعية التي ستجعل بيئتنا أكثر ذكاءً وكفاءة.
المبالغات التسويقية تضر بالفهم العام للعلم لأنها تضع توقعات تتنافى مع قوانين الفيزياء الحالية. سيبقى الهاتف الذكي بحاجة لبطارية وشاحن لفترة طويلة، وربما تقتصر الابتكارات المستقبلية على إطالة عمر البطارية قليلاً عبر سحب طاقة محيطية كعامل مساعد وليس بديلاً أساسياً.
شاركونا في التعليقات: هل سبق أن صدقتم إعلانات تعد بتشغيل الهواتف للأبد بدون شحن؟ وكيف تتعاملون مع الأخبار التقنية المبالغ فيها؟ ننتظر مناقشاتكم في موقع Uptoz.